السيد محمد حسين الطهراني

19

معرفة المعاد

كقطع الثلج الكبيرة التي تُظهر وجودها في الأودية والحفر والعقبات شتاءً وهي في منتهى الصلابة ، وما أن تسطع عليها شمس تمّوز حتّى تضمحلّ وتذوب رويداً رويداً وتفقد شخصيّتها كلّيّاً . طَلَعَ الشَّمْسُ أَيُّهَا الْعُشَّاقُ * فَاسْتَنَارَتْ بِنُورِهِ الآفَاقُ وما أروع وأسمى بيان القرآن الكريم حول اضمحلال الأسباب والعلل والأمور الاعتباريّة في هذه الفقرة : لَقَد تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُم مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ . وَلَوْ تَرَى إذِ الظَّالِمُونَ في غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ، وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنهُمْ فِيكُمْ شُرَكَؤُا لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ . « 1 » وهاتان الفقرتان الأخيرتان في منتهى الطرافة وإثارة العجب في عرضهما كيفيّة ترك الأموال وضياع الأعوان والأرحام والأرقاب والعشيرة ، وفقدان الرئيس والحاكم والمرءوس والرعيّة في هذه الدنيا ، بحيث لا يبقى منها أدنى أثر في عالم ظهور الحقيقة وتمثّل الملائكة كافّة . لقد قضى الإنسان عُمراً وهو يتلهّى بعشق الموجودات الدنيويّة وبالتولّع بها ، والآن أصبح من الواضح له أنها كانت بأجمعها دُمى وسراباً . لقد أنفق - طوال عمره وأفضل ثرواته الوجوديّة ، وهي علمه وحياته وقدرته ، في لهو تعشّق الباطل والسراب ، والهيام بأناس فارغين

--> ( 1 ) - مقطع من الآية 93 والآية 93 ، من السورة 6 : الأنعام .